عبد الرزاق اللاهيجي

242

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

مما يجده العقل ويحكم به ويصير به الفعل حسنا أو قبيحا فهم في ذلك يوافقون الحكماء بحسب المعنى وان لم يطلق عند الحكماء لفظا الغرض عليها بل يجعلون لفظي الغرض والغاية مترادفين بخلاف الأشاعرة فإنهم يوافقون الحكماء في هذه المسألة بحسب اللفظ فقط كما سيأتي تحقيق ذلك في الإلهيات إن شاء الله اللّه العزيز واعلم أن الحكماء اثبتوا لكل تحريك وفعل سواء كان اراديا أو طبيعيّا غاية والمصنف خصّ هذا الحكم بالاراديّات وبالجملة فان في هذا المقام شكوكا صعبة منها انه قد قيل إنه لا يجب ان يكون لكل فعل غاية فان من الافعال ما هو عبث وليس له غاية البتة أو ليس له غاية هي خيرا ومظنونة خيرا والشيخ في دفع هذه الشبهة قال في إلهيات الشفا بهذه العبارة واما بيان امر العبث فيجب ان يعرف ان لكل حركة إرادية فلها مبدأ قريب ومبدأ بعيد فالمبدأ القريب هو القوة المحركة التي في عضلة العضو والمبدأ الّذي يليه هو الاجماع من القوة الشوقية والابعد من ذلك هو التخيل أو التفكر فإذا ارتسم في التخيّل أو الفكر المنطقي صورة فحرّكت القوة الشوقية إلى الاجماع خدمتها القوة المحركة التي في الأعضاء فربما كانت الصورة المرتسمة في التخيل أو الفكر هي نفس الغاية التي ينتهى إليها الحركة وربما كانت شيئا غير ذلك الا انه لا يتوصل إليه الّا بالحركة إلى ما ينتهى إليه الحركة أو يدوم عليه الحركة مثال الأول ان الانسان ربما زجر عن المقام في موضع ما وتخيل في نفسه صورة موضع آخر فاشتاق إلى المقام فيه فيتحرّك نحوه وانتهت حركته إليه فكان متشوّقة نفس ما انتهى إليه بتحريك القوى المحركة للعضلة ومثال الثاني ان الانسان قد يتخيل في نفسه صورة لقائه لصديق له فيشتاقه فيتحرك إلى المكان الّذي يقدر مصادفته فيه فينتهى حركته إلى ذلك المكان ولا يكون نفس ما انتهت إليه حركته نفس المتشوق الأول الّذي نزع إليه بل معنى آخر لكن المتشوّق يتبعه ان يحصل بعده وهو لقاء الصديق فقد عرفت هذين القسمين وتبيّن لك من ذلك بأدنى تامّل ان الغاية التي ينتهى إليها الحركة في كل حال من حيث هي غاية حركته هي غاية أولى حقيقة للقوة الفاعلة للحركة التي في الأعضاء وليس للقوة المحركة في الأعضاء غاية غيرها لكنه ربما كان للقوة التي قبلها غاية غيرها فليس يجب دائما ان يكون ذلك الامر غاية للقوة الشوقية تخيلية كانت أو فكرية ولا يجب أيضا دائما ان لا يكون بل ربما كانت وربما لم تكن كما قد تبيّن لك في المثالين اما الأول منهما فكانت الغاية فيهما واحدة واما الثاني فكانت مختلفة والقوة المحركة التي في الأعضاء مبدأ حركة لامحة والقوة الشوقية أيضا مبدأ اوّل لتلك الحركة فإنه لا يمكن أن تكون حركة نفسانية لا عن شوق البتة لان الشيء الّذي لا ينبعث إليه القوة ثم تنبعث إليه انبعاثا نفسانيا يكون لشوق نفساني لامحة قد حدث بعد ما لم يكن فاذن كل حركة نفسانية فيكون مبدؤها الأقرب قوة محركة في عضل الأعضاء ومبدؤها الّذي يليه شوق والشوق كما علم في علم النفس تابع لتخيل أو فكر لامحة فيكون المبدأ الا بعد تخيّلا أو فكرا فاذن هاهنا مباد للحركة النفسانية منها واجبة بأعيانها ضرورة ومنها غير واجبة بأعيانها ضرورة